خليل الصفدي
6
أعيان العصر وأعوان النصر
تنكحها ، فسرّ بذلك ، وعقد عقد نكاحه عليها ، وثبت على الإسلام ، ولولا ذلك لارتد ، قال : ولاموا من أفتاه ، فقال : إنما قلت ظاهر الشرع ، وإن تسهّلت فالتسهّل في ارتكاب غازان بمحرم واحد ، وأسهل من أن يرتد كافرا ، وينتصب لمعاداة الإسلام وأهله ، فاستحسن ذلك من قوله ، وعرف فيه حسن قصده . وكان غازان يتكلم بالتركية والمغولية والفارسية ، ولكنه ما يتكلم بها إلا مع الخواجا رشيد ، وأمثاله من خواص حضرته ، ويفهم أكثر ما يقال قدامه بالعربي ، ولا يظهر أنه يفهمه ؛ تعاظما لأجل ياسا جنكز خان الخالصة ، ولما ملك أخذ نفسه بطريق جنكز خان ، وأقام الياسا المغولية ، ورتب الأرغوجية لعمل الأرغو ، وأن يلزم كل أحد قدره ، ولا يتعدى طوره ، وأن يكون الآغا آغا والأيني أيني ، وصرف همّته وعزيمته إلى إقامة العساكر ، وسد الثغور ، وقصد الأعداء في الأطراف ، ونفذ البراليغ والأحكام بعمارة البلاد ، والكف عن سفك الدماء ، وتوفير أهل كل صنعة على عملها ؛ ليكثروا ، وتعمر البلاد كما كانت في أيام الخلفاء - رضوان اللّه عليهم - ، والملوك الخوارزمية وغيرهم ، إلا أنه كان مع شجاعته وحزمه ورأيه ، مبخلا بالنسبة إلى ملوك بيته . قال القاضي شهاب الدين بن فضل اللّه علي : إن شيخنا شمس الدين الأصفهاني حدثني عنه ، أنه أجاز خواجا رشيد على كتاب صنّفه باسمه ألف ألف دينار ، أخذ بها عقارا خرابا ، كان يساوي أضعاف ذلك ، ثم عمّره بجاهه ، فتضاعفت قيمته . قلت : مثل هذا لا يعد كرما ؛ لأن هؤلاء الملوك عطاؤهم لخواصهم ، ومن يقربوه ويحبونه ، ليس بقياس ولا على قاعدة مطردة ، فإن السلطان الملك الناصر « 1 » محمد كان يعطي خواصه مثل بكتمر الساقي وقوصون وبشتاك والحجازي ويلبغا أضعاف هذا العطاء ، وهذا الخواجا رشيد لم يكن عند قازان أحد في محله ، ولا في رتبته ؛ لأنه كان لا يثق إلا به ، وهو جليسه وأنيسه ، ونديمه وطبيبه وطبّاخه ، فلا يأكل إلا من يده ، أو من أيدي أولاده ، وكانوا يطبخون الطعام له في قدور الفضة ، ويغرفونها في الطياسي الذهب والجفانات الذهب ، ويحملونها بأنفسهم إليه ، ويقطع له الخواجا رشيد ، ويلقمه بيده ، وكان بيد خواجا
--> ( 1 ) الملك الناصر هو : محمد بن قلاوون أبو الفتح ، من كبار ملوك الدولة القلاوونية ، له آثار عمرانية ضخمة ، وتاريخ حافل بجلائل الأعمال ، كانت إقامته في طفولته بدمشق ، وولي سلطنة مصر والشام سنة 693 ه ، وخلع منها لحداثته سنة 694 ه ، ثم عاد إلى عرشه سنة 709 ه ، واستمر 32 سنة وشهرين ، توفي عام 741 ه . ( انظر : مورد اللطافة لابن تغري بردي : 44 ، والسلوك للمقريزي : القسمان الأول والثاني ، وابن الوردي : 2 / 240 ، وفوات الوفيات : 2 / 263 ) .